ملتقى إبداع الشرق

من اجل ثقافه عربيه حره ومبدعه
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ثقافة التسامح عند المسلمين -بقلم : الدكتور يوسف القرضاوي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هيام.م

avatar

انثى عدد الرسائل : 53
تاريخ التسجيل : 13/05/2008

مُساهمةموضوع: ثقافة التسامح عند المسلمين -بقلم : الدكتور يوسف القرضاوي   الجمعة يوليو 04, 2008 8:56 pm

من أشد الأمور خطرا، والتي تهدد المجتمعات بالتمزق والتعادي، بل قد تفضي إلى إشتعال الحروب بين المجتمعات بعضها وبعض، بل بين أبناء المجتمع الواحد، والوطن الواحد: التعصب.
وليس المراد بالتعصب: اعتزاز الإنسان بعقديته أو بأفكاره التي اقتنع بها بمحض اختياره، فهذا لا يمكن أن يعاب. إنما المراد بالتعصب: انغلاق المرء على عقيدته أو فكره، واعتبار الآخرين جميعاً خصومه وأعداءه، وتوجس الشر منهم، وإضمار السوء لهم، وإشاعة جو من العنف والكراهية لهم، مما يفقد الناس العيش في أمان واطمئنان. والأمن نعمة من أعظم نعم الله على الإنسان، لهذا امتن الله على قريش فقال: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش:4،3). واعتبر القرآن الجنة دار أمن كامل: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ} (الحجر:46).واعتبر شر ما تصاب به المجتمعات: الجوع والخوف، فقال تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل:112).
ومن الناس من يتصور أن الإيمان الديني ملازم للتعصب لا يفارقه لا محالة. لأن المؤمن بدينة يعتقد أنه على الحق، وما عداه على الباطل، وأن إيمانه هو سبيل النجاة، ومن لم يتمسك بعروته الوثقى: لم يهتد إلى طريق الخلاص، وأن من لم يؤمن بكتابه المنزل، وبنبيه المرسل، فهو ذاهب إلى الجحيم، ولا تنفعه أعمال الخير التي قدمها، لأنها لم تبن على الإيمان، فلا قيمة لها عند الله. كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} ( النور:39)، وكقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ}(إبراهيم:18).
وهذه التصورات للآخرين: تنشئ العداوة والبغضاء بين الناس بعضهم وبعض، وكثيراً ما تؤدي إلى حروب دموية بين الطوائف والشعوب المختلفة دينياً.
كما سجل ذلك التاريخ في عصوره المختلفة: بين الأديان بعضها وبعض؛ كما بين المسلمين والنصارى، وبين الطوائف والمذاهب الدينية داخل الدين الواحد، كما بين الكاثوليك والبرتستانت، وكذلك السنة والشيعة.
فما الحل أمام هذه المشكلات الفكرية والعملية التي تتجسد في الواقع، وتمثل تحديات تحتاج إلى مواجهة، وتساؤلات تفتقر إلى أجوبة؟
وأود أن أبادر هنا فأقول: إن الإسلام قد عالج هذه التصورات النظرية، والمشكلات العملية، من خلال ثقافة أصلية واضحة أسسها وأرساها، وعلمها لأبنائه، وهي ثقافة تؤسس: التسامح لا التعصب، والتعارف لا التناكر، والحب لا الكراهية، والحوار لا الصدام، والرفق لا العنف، والرحمة لا القسوة، والسلام لا الحرب.
مصادر ثقافة التسامح لدى المسلم:
ومصادر ثقافة التسامح لدي المسلم كثيرة وأصيلة. وأعظمها بلا ريب هو: القرآن الكريم؛ الذي أسس أصول التسامح، ورسخها في سوره المكية والمدنية، بأساليبه البيانية المعجزة، التي تخاطب الكيان الإنساني كله، فتقنع العقل، وتمتع العاطفة، وتحرك الإرادة. وسيرى القارئ الكريم أن الدعائم الشرعية والمنطقية التي سنعتمد عليها في الدعوة إلى التسامح وإشاعته وتثبيته: مستمدة من القرآن أساساً.
وبعد ذلك تأتي السيرة والسنة النبوية شارحة موضحة ومفصلة، فالسنة هي البيان النظري، والتطبيق العملي للقرآن، كما قال تعالى:{ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل:44).
ويأتي بعد ذلك عمل الصحابة رضي الله عنهم، خصوصاً الخلفاء الراشدين، وسنتهم امتداد لسنة النبيr، وهم تلاميذ مدرسة النبوة، بها اقتدوا فاهتدوا، وعلى ضوئها اقتبسوا تشريعاتهم وتوجيهاتهم، فهدوا إلى سراط مستقيم.
كما نستأنس أيضاً بأقوال أئمة الأمة وفقهائها وعلمائها الراسخين، الذين هم ورثة النبوة، وحملة علمها، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
ومن مصادر ثقافة التسامح لدى المسلم: الواقع التاريخي لأن الإسلام، بهذا التاريخ قام على التسامح مع المخالفين، لم يخالف في ذلك خليفة أو سلطان، أو قائد ، أو وزير في المشرق والمغرب، في خلافة بني أمية، أو بني، أو بني العباس، أو بني عثمان. ولقد شهد بذلك مؤرخون منصفون من الغربيين وغيرهم، ونقلنا ذلك عنهم في أكثر من كتاب لنا، منهم تومس أرنولد، وغستاف لوبون، وغيرهما.
خصائص ثقافة التسامح الإسلامي:
ولثقافة التسامح الإسلامي خصائص متعددة، بيد أن هناك خصيصة مهمة، وهي: أن صبغتها الدينية، ومصدرها الرباني، وانبثاقها أصلا من الأوامر الإلهية، والتوجهات النبوية: تجعل لها سلطة على المسلمين، نابعة من قلوبهم وضمائرهم، يذعنون لها، ويحرصون على تنفيذ أحكامها، بدافع من إيمانهم، وخشية لربهم.
وفرق بين سلطة القوانين الوضعية التي يحاول كثير من الأفراد التحلل منها، والتحايل على أحكامها، وبين الأحكام الإلهية، التي بشر المؤمنون بها: أنهم باحترامها وإتباعها، يكسبون رضوان الله تعالى، ومثوبته في الآخرة، وسكينة النفس، وراحة الضمير في الدنيا، كما قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:97).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alnor.org/site/index.php
 
ثقافة التسامح عند المسلمين -بقلم : الدكتور يوسف القرضاوي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى إبداع الشرق :: المنتدى الاسلامي :: اسلاميات- كل ما يتعلق بشئون المسلم الدينية وذكر لله عز وجل-
انتقل الى: